العيني

132

عمدة القاري

فيه ، لأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك ، ولا مانع من اشتراك الصنفين في الصفات المذكورة مع اختلاف الجنس . وقال الكرماني : هذان الإقليمان ليسوا على هذه الصفات ، ثم قال : أما أن بعضهم كانوا بهذه الأوصاف في ذلك الوقت أو سيصيرون كذلك فيما بعد ، وإما أنهم بالنسبة إلى العرب كالتوابع للترك ، وقيل : إن بلادهم فيها موضع ، يقال له : كرمان ، وقيل ذلك لأنهم يتوجهون من هذين الموضعين . وقال الطيبي : لعل المراد بهما صنفان من الترك فإن أحد أصول أحدهما من خوز ، وأحد أصول الآخر من كرمان . وقال ابن دحية : خوز ، قيدناه في البخاري بالزاي ، وقيده الجرجاني : خور كرمان بالراء المهملة مضاف إلى كرمان ، وصوبه الدارقطني بالراء مع الإضافة ، وحكاه عن الإمام أحمد ، وقال غيره : تصحيف ، وقيل : إذا أضيف خور ، فبالمهملة لا غير ، وإذا عطفت كرمان عليه فبالزاي لا غير . وفي ( التلويح ) : هما جنسان من الترك ، وكان أول خروج هذا الجنس متغلباً في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة فعاثوا في البلاد وأظهروا في الأرض الفساد ، وخربوا جميع المدائن حتى بغداد ، وربطوا خيولهم إلى سواري الجوامع ، كما في الحديث ، وعبروا الفرات وملكوا أرض الشام في مدة يسيرة ، وعزموا على دخولهم إلى مصر ، فخرج إليهم ملكها قطز المظفر ، فالتقوا بعين جالوت فكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت ، فانجلوا عن الشام منهزمين ، ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان ولا حين ، وراحوا خاسرين أذلاء صاغرين ، والحمد لله رب العالمين . ثم إنهم في سنة ثمان وتسعين ملك عليهم رجل يسمى غازان ، زعم أنه من أهل الإيمان ، ملك جملة من بلاد الشام وعاث جيشه فيها عيث عباد الأصنام ، فخرج إليهم الملك الناصر محمد فكسرهم كسراً ليس معه انجبار ، وتفلل جيش التتار ، وذهب معظمهم إلى النار وبئس القرار . انتهى كلام صاحب ( التلويح ) : قلت : هذا الذي ذكره ليس على الأصل والوجه ، لأن هؤلاء الذين ذكرهم ليسوا من خوز ولا من كرمان ، وإنما هؤلاء من أولاد جنكز خان ، وكان ابتداء ملكه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة ولم يزل في الترقي إلى أن صار يركب في نحو ثمان مائة مقاتل ، وأفسد في البلاد وكان قد استولى على سمرقند وبخارى وخوارزم الذي كرسيها تبريز ، والري وهمدان ، ولم يكن هو دخل بغداد ، وإنما خرب بغداد وقتل الخليفة هلاون بن طلوخان بن خرخان المذكور ، وقتل الخليفة المستعصم بالله ، وقتل من أهله وقرابته خلق كثير ، وشعر بنصب الخلافة بعده ، وكان قتله في سنة ست وخمسين وستمائة ، ثم بعد ذلك توجه هلاون إلى حلب في سنة سبع وخمسين وستمائة ودخلها في أوائل سنة ثمان وخمسين وستمائة ، وبقي السيف مبذولاً ودم الإسلام ممطولاً سبعة أيام ولياليها ، وقتلوا من أهلها خلقاً لا يحصون ، وسبوا من النساء والذراري زهاء مائة ألف ، ثم رحل هلاون من حلب ونزل على حمص وأرسل أكبر نوابه كتيعانو مع اثني عشر طومان ، كل طومان عشرة آلاف إلى مصر ليأخذها ، وكان صاحب مصر حينئذ الملك المظفر ، فتجهز وخرج ومعه مقدار اثني عشر ألف نفس مقاتلين في سبيل الله ، فتلاقوا على عين جالوت ، فنصره الله تعالى على التتار وهزمهم بعون الله ونصرته يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وستمائة ، وقتل كتيعانو في المعركة ، وقتل غالب من معه ، والذين هربوا قتلهم العرب في البراري والمفاوز . وقال صاحب ( التوضيح ) تابعاً لصاحب ( التلويح ) : إنه في سنة ثمانمائة وتسعين ، ويسمى غازان إلى آخر ما ذكرناه عن قريب . قلت : هذا أيضاً كلام فيه خباط ، وهذا غازان ، بالغين والزاي المعجمتين : يسمى أيضاً قازان ، بالقاف موضع الغين ، واسمه محمود ، تولى مملكة جنكزخان في العراقين وما والاهما بعد بيدوش طرغاي بن هلاون ، وكان قتل لسوء سيرته ، وقازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون مات في سنة ثلاث وسبعمائة ، والملك الناصر محمد بن قلاو لم يجتمع بقازان ولا حصلت بينهما الملاقاة ولا وقع بينهما حرب ، نعم خرج الملك الناصر لأجل حركة قازان في سنة سبعمائة ، ثم عاد لأجل الغلاء والشتاء المفرط والبرد الشديد الذي قتل غالب الغلمان والأتباع ، ثم خرج في سنة ثنتين وسبعمائة لأجل حركة التتار ، وحصل القتال بينه وبين قطلوشاه من أكبر أمراء قازان ، فنصر الله تعالى الناصر ، وانهزم التتار وعاد عسكر المسلمين منصوراً ، قوله : ( فطس الأنوف ) بضم الفاء ، جمع : أفطس ، وقد فسرناه عن قريب .